«في نَقْدِ المَديح»


لا يُمكنكَ أنْ تُبهِر بالمديحِ شخصًا منبهرًا في شخصِه.

 

التغريدة التي استُخدِمتْ تعليقًا على محاولاتي «البريئة» في الثناءِ على أحدهم/إحداهنّ، والأمر أنه ليس تعليقًا في محله دائمًا، هذا وقد يكون لغرضِ المزاح ومُناسبة الحديث، حتى إنه يُمكننا تأويل هذا النوع من التعليقات من ناحية أخرى وهي أنّ ما نكتبه قد يكون حجةً علينا، وهي حجة عفوية طبعًا، وليست منطقية، كما أني لم أسلَم من إسقاطها عليّ، فمَنَعتْ عنّي سَيْلاً من المديح المُستحق وغير المستحق بزعمِ أنني هذا الشخص المُنبهر في شخصه، وهذا محزن لوهلة، لأنني لستُ هذا الشخص ولا شيء.
حسنًا! إنَّ هذه التغريدة ليست إلا تغريدةً أدبيّة رنّانة، لا واقع لها في الحقيقة، وربما مُناسبتها وجدْواها الوحيد هو أنها رادعٌ للمتملّقين والمتملقات.. خصوصًا أن نبرة النفي في «لا يُمكنك» تُحيلنا على «واقعة» متوقّعة لهذه العبارة، وهي أنّ هناك من يُحاول أن يُوْقِع الانبهار في نفسِ شخصٍ ما، بفعل المديح، مجرّد المديح؛ لغرض لفتِ انتباهه، أو ليستفزّ صمته، أو ليعبُر إليه بسهولة، أو لطرح الكلفة المفروضة، وكلها مراوغات مكروهة، وليست «بريئة»، أحبسها بين مزدوجتين للإشارة إلى المعنى الموجود في أول سطر، أجل، هناك الكثير من الأشخاص المميزين الذين يستحقون محاولاتي البريئة، ولا أتورع عن التعبير بها قبل هذا التوضيح وبعده.
صادفني في «تويتر» سؤال قبل فترة، وهو بصيغة مقارِبة لهذهِ:

لماذا يَنْفر الإنسانُ من المديح؟

بدايةً، أرى أنْ نتفق على مفهوم «النفور» الذي يعني في المعاجم العربية: «الكُرْه، والإعْراض، والتَّباعد»، وأعتقد أنه يُمكننا أن نستخلص معناه بمزيج هذه المعاني الثلاثة، أي أنه ليس إعراضًا وحسب، ولا كرها وحسب، على عكس الزُّهد مثلًا، الذي يعني «التَّرْك» بالرغم من أنه يعني «الإعْراض» أيضًا، وحين نقول «النفور» في سياق يقتضي وجود شخصين على الأقل، الشخص «المادح»، و«الممدوح» في المقابل، فالنفور من فعل «المديح» قد يقتضي النفور من الشخص «المادح» أحيانًا، وليس بالضرورة؛ لأن النفور له دلالات وأسباب قد لا يعيها الشخص وقد يفعل، فالجدير بالذكر هنا هو أن النفور لا يعني الزهد، بالمفهوم الصوفي، فمن ينفر من المديح، لا يكون زاهدًا به، ليتسامى بنفسه عنه، وهذا واردٌ عند البعض، أعني «الزهد بالمديح» تحديدًا، وأُدرّب نفسي عليه أحيانًا.

إذن، يمكن أن تكون الإجابة على السؤال أعلاه، هو أنه لا يوجد أحد ينفر من المديح بلا سبب؛ ببساطة لأنّ هناك الكثير من الأسباب التي تجعل المرء ينفر منه، أو ينفر من أنواع معينة منه، فهو مثل غيره من الأساليب المعرّضة للتشويه لأغراض عدة، يستغلها البشر فيما بينهم.

مثلما شُوّهِتِ «المجاملة»، التي في أصلها فعلٌ محمودٌ، والتي يأتي على نقيضها «الجمود» وربما «الوقاحة» على أسوإ حال، فليس شرطًا أن تكون المجاملة غطاءً لكُرهٍ أو حسد، فهي، كما نرى، غالبًا ما تأخذ معنىً سلبيًا بين الناس وكأنهم يتلهفون لجلدِ ذواتهم بِطلبهم المباشر من الآخرين في أنْ يكونوا غير مُجاملين عند التعامل معهم.. يتوسّلون الوقاحة باسمِ الصدق، لمّا كانت المجاملة في ذاكرتهم ما هي إلا كذبًا ونفاقًا.
ليس من الحكمة أن يُحثّ الإنسان على أنْ يتوقف عَن تهذيب نفسه، باستفزازِ جانبه الوقح، باسم الصدق و«العفوية»، فكل إنسان بوسعِه أن يتواقح، فالوقاحة هي الأسهل تعبيرًا، ولا تحتاج مني ومنك جهدًا ذهنيًا بالتفكّر في أبعاد العلاقة ودوافعها، وماهية الآخر، واعتبار كيانه، ومكانته، واعتبار مكانتك بالمقابل وسمعتك/كرامتك. الوقاحة أن تَفصح عن لا وعيك بفجاجة، وكأنك «الأهم» والأوْلى في أن يؤخذ بجدية على صعيد العلاقة، وعلى حساب إلغاء الآخر.

نعود للمديح، إنَّ أول هذه الأنواع المنفرة، وأخطرها، نستطيع تجسيدها في الشخص الذي يمدحكَِ مدحًا مفرطًا من خلال انتقاء ميزاتك حسب مقاييسه والحديث عنها، كمحاولةٍ لترسيخها وطَلَب إظهارها له، مثل مَن يمدح مظهركَِ بصورٍ/تسريحة/ملابس معيّنة… هذا النوع هو طلبٌ مُغلّف بحيلة المديح؛ لاستمرار هذه الميزة أمامه، أو عند التعامل معه، ولا يمكن تلقِّي هذا النوع اعتباطًا، أو استنادًا على ظنٍ سيئ استفزّتْه مواقفٌ سابقة، بل عن «معرفة ضمنية» تستند على قراءة شاملة لتأريخ العلاقة، وشخصية الآخر، والسياقات التي جمعتكما.
هناك من سيظن بأن هذا النوع لا يستدعي عدم قبوله لدرجة النفور، لأننا يمكن اعتباره طلبًا ذكيًا، يمنعنا من التصريح بهِ أمور شخصية يصعب مواجهتها، ولن أتهم هؤلاء بأنهم من كبار مستخدمي هذا الأسلوب المنفر، ولكن قد يكون هذا الواقع الشائع، أن أمدحك لتستمر على ما أنت عليه، وأستفيد أنا من وراء ذلك، وهي موجودة في علاقة المدير/ة بالموظف/ة، وعلاقة المرأة بالرجل والعكس، وكذلك عند شعراء البلاط بشكلٍ مُطلق، هذا المديح ليس إلا حيلة ذكية قائمة على استغفال الآخر؛ لأنّّك، على الأرجح، ستتشكَّل تدريجيًا وفقًا لمعايير «المادِح»، وقد تفقد بالمقابل ذاتك. مثلما يخضع الأمير الممدوح، بكرمهِ وتجسيد خصاله المنتقاة في القصيدة، للشاعر المتزلف؛ لأنه يريد التصديق على ما قيل، وإثباته بالفعل، وإن كان ذكيًا كفاية فهو سيدرك أن غرض القصيدة ليس إلا لنيل القليل من المال وسيجد نفسه مضطرًا للاستجابة له، فشاعر البلاط قد وضعه في قالبٍ لا مفر منه أمام نفسه والملأ.
يمكننا أن نُسقط هذا النوع على كثير من العلاقات بأنواعها، فهو بالفعل بمثابة قالب توضَع به، لتكون مقبولًا وذا فائدة مرجوّة بالنسبة للآخر.

هناك أيضًا نوع من المديح يأتي في قالبٍ لُغويٍّ ممتاز ومحبوك للغاية، وربما قد استوحاه المادح من الأشعارِ والأدبيات، هذه مبالغة مقصودة، فهو لا يكون غزلًا بالتحديد، ومهما يكن غرض هذا النوع، فهو مُنفِّر على مستوى علاقات محددة؛ لأنه يترك الممدوح مشدوهًا وغير قادر على الرد والمجاراة، وأعتقد أن هذه مسألة نفسية، فالمتلقي سيكون في طرفٍ سلبي بالضرورة. وسيبقى دائمًا يُفكّر وكأن هذا المديح فَضْلٌ لا بد من ردّهِ لصاحبه، وإلا سيشعر بأنه مَدينٌ له، وهذا ثقلٌ لا يستطيع الإنسان العادي حمله إما لهذا السبب أو لأسباب أخرى أيضًا، أحدها ما أشار إليه دوستويفسكي هنا:

«تقول له: إنني مترفةٌ بك، وأحسدني عليك.
يُصدّقها لأن العاشقة لا تكذب، يشعر هو أنه كثيرٌ عليها فعلًا فيرحل!
تقول مجددًا: إنه مخادع! لقد كنتُ مغفلةً جدًا..
كانت مخطئة في كونها تُحجِّم منه وترفعه في السماء وتعلن ذلك له بعباراتها الطويلة، الرقيقة، المُملة.
إنها فقط مُمتنة لله، تشعر بالسعادة لكونها محبوبة ولديها من يقضي معها وقته ليلًا وبعضًا من نهاره.
تُريد أن تحافظ عليه بالكثير من الكلام.
وهذا خطأ يقع فيه عشاق/عاشقات كثر؛ لأنّ أي إنسان، أي مخلوق عندما يشعر أنه كثيرٌ على أحدهم، وأنه مصدر الكثير من الدهشة والغبطة، فسيكون مُقلًّا منه، حتى يملّ ويختفي؛ لأنه لا يملك أكثر مما قدّمه وبما أنّ ما قدّمه كثير، فهو يعتقد أنه كافي، بل وأكثر من كفايته»

[فيودور دوستويفسكي]

وبالحديث عن المبالغة، فهناك نوع من المديح يجيء فضفاضًا على الممدوح، والضابط هو أنْ يشعر الممدوح حيال الآخر بأنه كاذب متملق لا يمكن تصديقه حتمًا، وهنا يحتمل أن يكون الممدوح إما يعرف نفسه فيكون النفور بمحله تمامًا، أو لا يعرف نفسه فيكون شعوره بالنفورِ مرضًا نفسيًا [Paranoia] يجعله يتوجس ويرتاب من المديح؛ لأنه أيضًا يتوجس من نفسه بالأصل، بعدمِ فَهْمِها ومعرفتها، أو أنه لا يعرف نفسه وحسب دون أن يكون مريضًا نفسيا بالضرورة.

وهناك دائمًا ذلك المديح غير الانتقائي، الذي يأتي إليكَِ مكررًا، ومُعاد تدويره لدرجة تجعلك متشبّعًا ومتدرّعًا على أنْ تستوعبه، يُصاغ لكَِ بلا وعي لأسبابٍ عمياء حتى بالنسبة لشخصِ المادح، فهو الذي يُذهله أي شيء لمجرد أنه عصي عن فَهْمه، أو يذهله غموض «الممدوح» أكثر من إنجازاته، فهو دائمًا سيغرقك مديحًا وهو لا يعرفك حقًا، أو لا يدرك رسالتك، ويلاحَظ على أهل هذا النوع أنه بالضرورة سيُساويكَِ بمقاييسه مع شخصٍ لا يُعجبكَِ على مستويات عدة، فأنتَِ بلا شك لن تأخذ هذا المديح على وجهه المستحق، حتى يكاد يكون المديح فيك هجاء.
ولاحتمال أن تبدو الأنواع متشابكة وغير يقينية، فأعتقد أن تحديد الشعور بها يعتمد، وبشكلٍ أساسيّ، على تأريخ العلاقة ونوعها بما في ذلك المعرفة المشتركة بين طرفي العلاقة، ومقام المديح بالطبع.

هذا كله لا يمنع من فكرة أن المديح، بوصفه حيلة ذكية، يصبح مقبولًا إذا كان غرضه معلومًا لدى الطرفين، ويُطبِّقه الطرفان معًا، هذه الحالة المشتركة التي لا تجعل منك طرفا سلبيًا ولا مغفلاً ولا مرتابًا، لأنها حيلة غير مقصودة لبلوغِ غرضٍ مشترك متفق عليه ضمنًا، مثل من يستخدم المديح «ليعبر إليك»، بينما وددتَِ دائمًا أنْ تفسح/ي له/ـا السبيل إليكَِ.. لا تكون اللغة مُنصفة دائمًا في حالات كهذه.. يُنقذك أسلوب المديح عن الترجمة الحرفيّة لمشاعرك، فيصبح إخبارك، للشخص المرشح للدخول في حياتكَِ، مستهلكًا، ولكن هناك قبْليات لهذا المديح، مما يجعل له قيمة استثنائية.
ومثله أن يكون لغرض المحافظة على العلاقة وتجديد الإعجاب، فيأتي المديح في محاولات لإيصال معنى «أنت الشخص الذي أُعجبت به لأول مرة، وما زلت».

أخيرًا، إنَّ المديحَ الرصين، وأقول «الرصين» أعني به المتفرع من النقد، أو الصادر من عقلية ناقدة ومتمكنة مما تُقْدم عليه عند الحكم، هو سلوكٌ صحي، وبرأيي، أنَّ أسمى أغراضه هو أنْ يدرك الآخر بأننا «شاهدون» على تميّزه، ونُقدّر ما يمتاز به، وإنْ كان غنيًا عن التقدير، إلا أن من حقه تمييزه عن الآخرين بقدر ما نقدر عليه، في حال كان المديح خَيارنا المتاح، وليس لغرض التشجيع الأعمى، أما في أضعف حالاته فسيأتي من الحب «الذي في أصله قبول الآخر» أي أنه مُستخلصٌ من نيةٍ حسنة وأصلٍ راسخ، وهو القبول، والقبول يتطلَّب «التقدير» بالضرورة.

 

Advertisements